أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

594

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الشرف بخلاف « صاحب » . و « على الناس » متعلق بفضل . تقول : تفضّل فلان عليّ ، أو بمحذوف لأنه صفة له فهو في محل جر ، أي : فضل كائن على الناس . وأل في الناس للعموم ، وقيل : للعهد ، والمراد بهم الذين أماتهم . قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ هذا استدراك ممّا تضمّنه قوله : « إنّ اللّه لذو فضل على الناس » ، لأنّ تقديره : فيجب عليهم أن يشكروا لتفضّله عليهم بالإيجاد والرزق ، ولكنّ أكثرهم غير شاكر . قوله تعالى : وَقاتِلُوا : هذه الجملة فيها أقوال : أحدها : أنها عطف على قوله : « موتوا » وهو أمر لمن أحياهم اللّه بعد الإماتة بالجهاد ، أي : فقال لهم : موتوا وقاتلوا ، روي ذلك عن ابن عباس والضحاك . قال الطبري : « ولا وجه لهذا القول » . والثاني : أنها معطوفة على قوله : « حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ » وما بينهما اعتراض . والثالث : أنها معطوفة على محذوف تقديره : « فأطيعوا وقاتلوا ، أو فلا تحذروا الموت كما حذره الذين من قبلكم فلم ينفعهم الحذر » ، قاله أبو البقاء . والظاهر أنّ هذا أمر لهذه الأمة بالجهاد ، بعد أن ذكر أن قوما لم ينفعهم الحذر من الموت ، فهو تشجيع لهم ، فيكون من عطف الجمل فلا يشترط التوافق في أمر ولا غيره . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 245 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً : « من » للاستفهام ومحلّها الرفع على الابتداء ، و « ذا » اسم إشارة خبره ، و « الذي » وصلته نعت لاسم الإشارة أو بدل منه ، ويجوز أن يكون « من ذا » كلّه بمنزلة اسم واحد تركّبا كقولك : « ما ذا صنعت » كما تقدّم شرحه في قوله : ما ذا أَرادَ اللَّهُ « 1 » . ومنع أبو البقاء هذا الوجه وفرّق بينه وبين قولك : « ما ذا » حيث يجعلان اسما واحدا بأنّ « ما » أشدّ إبهاما من « من » لأنّ « من » لمن يعقل . ولا معنى لهذا المنع بهذه العلة ، والنحويون نصّوا على أنّ حكم « من ذا » حكم « ما ذا » . ويجوز أن يكون « ذا » بمعنى الذي ، وفيه حينئذ تأويلان : أحدهما : أنّ « الذي » الثاني تأكيد له ، لأنه بمعناه ، كأنه قيل : من الذي الذي يقرض ؟ . والثاني : أن يكون « الذي » خبر مبتدإ محذوف ، والجملة صلة ذا ، تقديره : « من الذي هو الذي يقرض » وذا صولته خبر « من » الاستفهامية . أجاز هذين الوجهين جمال الدين بن مالك ، وهما ضعيفان ، والوجه ما قدّمته . وانتصب « قرضا » على المصدر على حذف الزوائد ، إذ المعنى : إقراضا كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 2 » ، وعلى هذا فالمفعول الثاني محذوف تقديره : « يقرض اللّه مالا وصدقة » ، ولا بدّ من حذف مضاف تقديره : يقرض عباد اللّه المحاويج ، لتعاليه عن ذلك ، أو يكون على سبيل التجوّز ، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 26 ) . ( 2 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) .